...ولكثرةِ ما علمتهُ من أحزان الكاتب الباديه على وجهِه ، و لكثرةِ ما شهدتهُ من جروحٍ قد يكتُمها داخل حُطام قلبِِه ، ولكثرةِ ما قرأته من آلامٍ مُحتبسه داخل عينه ، ولكثرةِ ما عهدتهُ من همومٍ ينثُرها دوماً على ورقه ، ولكثرةِ ما رأيته من أسى لِحبه ، ولكثرةِ ما كتبته من خواطرٍ بيده ودمعه.
أردت أن أسأله سؤلاً لأُخفف حزناً وآلاما ، وأُساور نفساً إنسانا ، أو قلباً لجراحهِ حُطاما ، فلعلى أزيلُ الأحزنا ، وأُدون نثراً ألوانا ، أو حتى أصوغ الأشعارا.
نعم ، يوماً ما أمسك بى كاتبنا الغريب ليكتب بعض خواطره وقد وضع كوب الشاى إلى جواره كعادته التى غابت لكنها عادت ولن تغيب.
نظر إلىَّ وسألنى:-كيف حال صديقى القلم؟ هل إلىَّ تشعُرُ ندم؟ أم لحالى تُشفقُ عدم؟ لكن سامحنى فحالى دوماً ألم.
إبتسمتُ برغم هذه الكلمات المؤلمه لكننى أجبته:-حالى كحال رفيقى الكاتب ، إليك أشعر كأنِّى الطالب ، وإلى حالِك أعلمُ مالك؟ ، سامح قلمك ليس بإنسٍ لكنّى مُعلقٌ بحياتك.
قال لى الكاتب:- هذا اليوم سأدعك تتحدث وتسألنى ما أردت فسل ما شئت أُجيبك؟
"أسأل أنا" قلت أنا.
فأجابنى الكاتب:-نعم ، تسأل أنت أنا.
فكرتُ قليلاً لكننى وجدتُ سؤلاً دوماً أردتُ معرفة إجابةٌ له ، سؤلاً قد أكون أجهلُ عن معرفة الإجابه له.
قلت له:- قل لى أيها الكاتب ، إنِّى قلمٌ و جماد لا أشعر إلا بسواك ، لا أرى الحياةَ إلا بعيناك ، ولا أكتبُ إلا ما تنثره يداك ، قل لى ما هذه الحياةِ لأراها كما أراك؟
فأجابنى الكاتب بعد تنهيده شعرت فيها بثقلٍ يحمله على عاتقه وقال :- سؤالُك سهلٌ ويسير لكنَّ جوابُهُ صعبٌ وعسير ، سأجيبُك لا تقلق وتسير ، فسؤالُك كحياتى أسير.
جوابى إليك يا قلمى عن الحياةِ فى نظر كل موجود ، الحياةُ ما هى إلا عبدٌ ومعبود ، نعمةٌ من كثير نعمِ ربِّ الوجود ، ونقمةٌ إلى كلِّ إنسان حاقدٍ أو حتى حسود ، حكايةٌ طويلةٌ يرويها صاحبها ودوداً كان أو غيرَ ودود ، فارسٌ من يُروضها وبدراً من يُساورها وكلاهما محمود ، أما بالإيمان تكونُ كريماً وصاحبُ جود.
الحياه....
فى عين الصديق مليئه بالتفاؤل بالرغم من بعض الشدائد والكُربات ، لكنه لا يرى سوى هذا التفاؤل ولو فى الظلمات ، إنه فارسٌ مروضٌ لحياةِ بلا عثرات.
وفى عين الرفيق فإنه لا وجود للحياه بدون حبيبٍ أو أصحاب ، جميله بالحب ولو فيه عذاب ، خاليه من الهموم وسط الأحباب ، إنه بدراً فى ليلةِ إشراق يُسايرُ الحياةِ بدون إكتئاب.
أما...
بالإيمان تهون الآلام وتغدو حلُماً بل قل أحلام ، تُبصر الحياه بعيداً عن كل الأحزان ، ترى الأمل قريباً ولو طيفاً يختلطُ بأشجان ، وتجفُ دموعكَ وبكاءك دوماً أو بعضَ الأحيان ، وبعيداً تبتعدُ همومك وتعيشُ اللحظةَ نسيان ، تنسى أحزنك،أقدارك حتى لو كانت عُنوان ، بل تنسى آلامك من قومك لا شك لديك الإيمان ، من يدرى يوماً إنسان.
إبتسمتُ مُتعجباً من كلمات كاتبنا الغريب ، هذه الكلمات التى لم ينطق بها يوماً غريب ، هذه الكلمات التى تحمل معنى جديد للحياه لم أعرفه يوما من بعيدٍ كان أو قريب.
كلماتٍ تحملُ بين طياتها خاطره جديده ولوناً جديداً بعيداً عن ألمٍ وبكاء ، كلماتٍ لو إستطعت وصفها لقلت أنها شفافه بلا محاباةٍ أو حتى ثناء ، كلماتِ كاتبٍ مجهولٍ قد غدا اليوم صامتاً بلا نداء ، كلماتٍ من كاتبٍ مجهولٍ قد لاقى إبتلاءً لا بلاء ، ولربه قال إليكَ ياربِ دوماً حمداً ورجاءً ودعاء.
فسألته:-كيف؟
فسألنى مبتسماً:- كيف ماذا يا صديقى القلم؟
فأجبته:-كيف تصف الحياة بروعتها والتفاؤلُ فيها وأنت دائمُ الألمِ فيها؟
كيف تصف الحياة بالجمال وما فيها وحالُك غيرُ ذلك فيها؟
بل كيف تصف الحياه بالأمل وأنت لا ترى إلا الموتُ فيها؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق