أهم المنشورات

الأربعاء، 29 يوليو 2015

كلمات الكاتبة الجزائرية الاستاذة :سوسن الشريف " نجوى وردة "

نجوى وردة 
كلمات الكاتبة الجزائرية الاستاذة :سوسن الشريف

هل أنا مجرمة؟!!
تقابلت أعيننا، لا أصدق ..
- أأنت منى؟؟
ما بك لما هذه الحروق في يديك؟؟

لم تجب لاذت بصمت مميت ، صعقت عندما رأيت رجليها محروقتين كذلك ..
دنوت منها أسألها غمزتني أن أبتعد وأشارت لي بإصبعها خلسة ألا أكلمها فزوجها غير بعيد، لكني دنوت منها و أنا أذرف الدمع .. فقالت :
- أنا حطام إنسان ماذا يصنع من رديم وأنت؟
- أعمل بالمحاماة

... لم أكمل ضحكت باستهزاء :
- القانون ما أجمله لأكل العيش، كم على امرأة حكمت ؟ 
- لست القاضي عزيزتي ، القاضي حامي الحمى مدافع عن الحقوق ..

- أضحكتني انظري حالي..
- لكن أتدرين أن..

قطعت كلامي وبكت .. رجوتها أن تأتي إلى مكتبي ، نظرت إلي كمن غادر دنيا البشر
اقترب منها زوجها أمسك يدها وأمرها بالبقاء جانبه، بقيت عيونها تحملق في كمن يترجى أو ربما هذا ما تخيلت، تنبهت على صوت أمي تدعوني للخروج من المحل تبعتها شاردة الفكر حائرة من حطام هذه المرأة ..
فليست بالنسبة لي أي امرأة أنها صديقة أيام الجامعة .. علقت غصة بقلبي، توقفت أرمقها من خلف زجاج المحل تخيلتها أسيرة نعم أنها أسيرة ظروفها الصعبة

نظرت أمي إلي فقد قرأت شجني وجرحا في قلبي
- أتعرفين من تكون؟
- إنها صديقتي في الجامعة .. كان حلمها الالتحاق بسلك القضاء .. تصوري أمي أين هي اليوم؟

- أتدرين عزيزتي مآسي النساء في مجتمعاتنا جمة لا تعد ولا تحصى .. فما يعطيه القانون من حقوق تسلبه العادات والأعراف .. وما يحلله الشرع يقع تحت طائلة العرف والتقاليد فمم تستغربين ؟؟
- لا .. هي فقط قريبة من قلبي ! تصوري تزوجت ونحن في آخر عام جامعي ، غالبت أهلها سنين وما تبقي لها لتحقيق حلمها غير القليل .. كانت دائما تقول : 
"دراستي هي مفتاح حريتي وهي صوتي الوحيد".
- ولماذا لم تصمد إذًا؟

- صمدت وطلبت العون لكن لا أحد أمام أهلها استطاع الصمود .. و ان فكرت تهرب من بيتها مستحيل فربما قتلها أبوها أو من هو بحكم خطيبها ..
تصوري خطبت إليه وهي رضيعة وكانت بمثابة عرفان بالجميل فأمه أوت والدتها بعد يتمها و زوجتها من قريب لها فأنجبتها منه
و كانت كحكايات الأساطير حيث تُقدم الأميرة هدية للغول إن كان ثمة أميرة ..

أذكر جيدا عادت من عطلتنا الجامعية وقد ختم أمرها و تزوجت .. وعدها أن يتركها تكمل دراستها ، ولكنها كانت تعي كزملائها وزميلاتها أنه أمر مستحيل !!
فهو لم يدخل المدرسة إلا ستة سنوات فكيف سيهمه أمر تعليمها ..
وعد فقط نسج حولها سجن وأحكم سياجه فكانت ضحيته ..
منع علينا حتى زيارتها مخافة أن نفك الحصار عنها .. كم كان جلف الطباع !! تصوري شهر من بداية السنة الجامعية يترك عمله ويغلق محله ليجري وراءها يراقب تحركاتها وفي يوم كنا نحضر تقرير لحصة القانون الجنائي فدخل إلى قاعة المطالعة كالمجنون و سحبها من يدها فوقعت أرضا ركلها .. تدخَّل الجميع حضرت الشرطة لكنها رفضت توقيع محضر اعتداء خافت منه ومن أهلها
سقط منها قرطها فأسرعت لأعطيها إياه نظرت إلي بألم وقالت "دعيه معك ليذكرك أن القيود نحن من نلبسها فتقيدنا عمرا لا نجاة إلا الموت" هزتني هذه الكلمات حينها وكان هذا آخر عهدي بها فقد كان يومها الأخير بالجامعة
وهذه أول مرة أراها منذ ما يقارب الأربع سنوات .. لقد غدت حطام إنسان


نظرت إلي أمي متنهدة و ربتت على كتفي كمن يعزيني في أحلامي التي بنيتها بقناعتي في أن يكون اختياري هو الصحيح
كنت أظن حينها أن العدل بالعزم تذوب أمامه كل الصعاب ..
كم كنت مغفلة وساذجة فالواقع مُر كما العلقم
دخلت غرفتي ولُذت بصمتي .. راجعت كل ذكرياتي معها كم كانت زاهية بالحياة لكن من يدري بالقدر ..

مسكين هذا القدر !!
نلبسه كل تعاساتنا دوما هروبا من واقع لا نتحكم فيه غالبا ..
لا أذكر كم بقيت حزينة بعدها ، ربما أسبوعا أو أكثر ، كم هو صعب ذلك الإحساس بالعجز أمام غبن الآخرين وآلامهم !!
أشعر أنني مثقلة بكل جبن العالم .. خجلت من نفسي ..
عن من أدافع أنا إذاً ؟؟! ..أأضحك على نفسي؟؟ .. يا لسذاجتي !!

رن هاتف المكتب .. رددت
فإذا بصديقتي ليلى متقطعة الأنفاس باكية تقول :

- أتدرين ما حصل ؟؟ ..لقد ماتت 
- من مات ؟ .. ماذا تقولين؟؟

- إنها منى .. ماتت حرقا ..
هناك من يقول أنها أحرقت نفسها وآخرون يقولون أن ثوبها اشتعل وهي تعد الخبز لا أدري من أصدق !!

سقطت من يدي سماعة الهاتف وارتعدت كل أوصالي بكيت ذاك العمر و تلك الذكريات التي عشناها سويا وأحسست في لحظة أنني من قتلها !!
نعم أذكر نظرات النجدة في عينيها فلم أفعل لها شيئا ..

لا أريد شيئا الآن ..
تبا للمحاماة و للقانون و للمحاكم ، لن ألبس ذلك الثوب الأسود مرة أخرى فقد فهمت مغزى سواده الآن ..
إنه حداد على العدل فهو يموت قبل أن يولد !!!

أسرعت للبيت .. أحسست ساعتها بطعم الظلم ، إنه يحمل الموت أينما حل
نظرت لأمي بحرقة لأقول :
- هل كنت من أسباب موتها؟؟ هل أنا مجرمة بصمتي ..؟
أخبريني أمي فقد رأيت الموت يتودد لها، قالت حينها إن الموت هو حريتها...

صمتت أمي واغرورقت عيناها وضمتني إلى قلبها و قالت :
- وهل كان بيدك فعل شيء لتشعري بأنك المجرمة ؟!
- ربما.. ربما ضميري يعذبني، العجز أمام آلام الآخرين إحساس مؤلم

ردت أمي بعمق :
- إنها قضية مجتمع بأكمله عزيزتي فهي مرتبطة بفكر وثقافة وعادات وتقاليد تجذرت في العقول و لابد من فعل شيء لتحريرها .
- وهل كان بيدك فعل شيء لتشعري بأنك المجرمة ؟!
- ربما.. ربما ضميري يعذبني، العجز أمام آلام الآخرين إحساس مؤلم

ردت أمي بعمق :
- إنها قضية مجتمع بأكمله عزيزتي فهي مرتبطة بفكر وثقافة وعادات وتقاليد تجذرت في العقول و لابد من فعل شيء لتحريرها .
فرنسا-باريس-29-يوليو-2015م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات