اياد تستحق التقبيل
كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والاوان , كنت احب ان اذهب يوم الجمعة الى المدينة , وبالأحرى الى سوقها الذي هو عادة وككل المدن العربية ؛ يبدا من ساحة واسعة امام المسجد الكبير , ويمتد الى ما شاء الله , وعادة ما يكون السوق في ذروته قبيل صلاة الجمعة وبعدها , أي وقت تزاحم الاقدام . كنت احب ان اشاهد منظر النسوة القرويات وقد حضرن من القرى المجاورة , يحملن فوق رؤوسهن خيرات الريف الفلسطيني ؛ مما انتجته الارض المباركة , او مما صنعت ايديهن وانتجنه في بيوتهن , لبيعه في سوق المدينة . يضعن احمالهن وتجلس كل واحدة خلف بسطتها , ترص بضاعتها بشكل انيق ومرتب . صورة مازالت ترتسم في مخيلتي وما تفارقها الا لتعود مرة اخرى : امرأة امامها سلة بيض وبجانبها قفص دجاج بلدي بيّاض او فراخ صغيرة , واخرى امامها اقفاص حمام وبط ووز وارانب , وثالثة بين يدها فرش عليه ضمم من الزعتر الاخضر , وكيس يحوي زعترا جافا واخر مصنعا(دُقّـــة) , ورابعة أمامها بعض الاواني الزجاجية تحوي انواع المربيات والمخللات بيتية الصنع , وتلك تبيع الصابون البلدي , وهناك من تبيع حزما من الفجل والجزر والخضار الورقية كالخس والبقدونس والنعناع . كل تنادي على منتجها وتزينه عي عيون المتسوّقين بطريقتها الخاصة ( بلدي يا بيض , جبلي يا زعتر, مْزغَّط يا بط , صابون بزيت الزيتون , فجل ازكى من لحم العجل ....الخ) , وفي وجوه خط عليها الزمن تاريخه الطويل بارقة امل ببيع ما حملن على رؤوسهن , وشراء ما تحتاج بيوتهن ويطلبه وابنائهن . في العادة ينتهي اليوم ببيع كل ما احضرن ولو براس المال في نهاية المطاف , فسوق المدينة كبير ويستوعب انتاجهن جميعا .
على الناصية عربة مزركشة بكل الالوان الزاهية اللافتة للانتباه , تبيع ساندويشات كبدة و فشّة ( رئة الشاة) وقلوب وطحالات ونخاعات مشوية , تحرص بعض النسوة على التزود ببعضها , لها والافراد اسرتها . بعض النسوة يتحلقن حول عربة البراد وهو نوع من الشراب المثلج بنكهة الليمون او البرتقال او الفراولة يطفئن ظمأ ساعات من المناداة والمساومة , ولكنهن يجمعن على الوقوف امام عربة تبيع الهريسة والنمورة ( وهي نوع من الحلويات المصنوعة من السميد كالهريسة , لكنها تختلف عنها بانها صلبة وملونة باللونين الاصفر والبرتقالي ) , وهي رخيصة الثمن , فلابد لهن من العودة بهذه الحلويات التي ينتظرها الاطفال بفارغ الصبر .
تغير الحال اليوم وظهرت المصانع ووسائل التقنية الحديثة افقدت المرأة الريفية دورها , فحلت المصّنعات محل ما كانت تصنع يداها في البيوت , بطرق بدائية ولكنها صحية . اما اليوم فحدث ولا حرج ؛ المواد الملوِّنة والمنكهات والحافظات اضافة الى الاسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية والهرمونات , مواد ضارة افقدت الثمار نكهتها الطبيعية وقيمتها الغذائية , فاتشرت الامراض التي لم ما سمعنا بها في آبائنا الاولين . يحصل في كثير من الاحيان خلاف بين جيل اليوم والجيل السابق حول طعم ومذاق ونكهة الثمار , فالكبار تذوقوا طعم المادة الغذائية الطبيعية , اما الجيل الجديد فلا يعرف من الثمرة الا شكلها ولا يعرف تلك النكهة التي يتحدث عنها الكبار .
عَوْدٌ على بدْء : كانت تلك رحلة الفلاحات كل جمعة , تحمل خيرات الريف , تلك الايدي الماهرة التي جمعت وصنّعت , ايد خشنة لا تعرف المناكير ولا البدي كير ولا البطيخ كير , خشنة ولكنها نظيفة طاهرة عفيفة شريفة , ما امتدت الى حرام وما اطعمت الا حلالا طيبا . هناك ايد اخرى ناعمة الملمس تتسلل الى جيوب الفقراء وتَسْتلّ اللقمة من افواه اطفالهم , بحجة ارتفاع الاسعار عالميا احيانا وارتفاع تكاليف النقل والشحن احيانا اخري . وهناك ايضا ايد خفية لا يعلمها الا الله تتلاعب بِقِيَم الوطن و ثوابته وثقافته وعاداته وتقاليده , وتشوه نضاله و تزيّف تاريخه , وايد ظاهرة قوية جبارة باطشة حفارة , تفتك باقتصاده وتبرر لنفسها ما تفعل , وتتحكم بمقدرات وثروات البلاد وأرزاق العباد واقواتهم , وتستورد الفاسد من الغذاء لإطعامهم , مستغلة عوز الناس فتبيعها بأسعار مخفضة تحت مسميات : تخفيضات عروض الاسبوع , وعروض المواسم وغير ذلك .
هذه نماذج من الايادي التي تعمل في الوطن . ما رايكم ـــ يا دام عزكم ـــ تري أي هذه الايادي تستحق التقبيل والوضع على الراس ؟؟؟ رايي الشخصي ان كل يدٍ من هذه الايْادي ستجد من يُقبّلها ويضعُها على راسه شاكرا فضلها . ألسْتُم معي في هذا القول ؟ طبتم وطابت اوقاتكم .
بقلم الكاتب / على الشافعى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق