أهم المنشورات

السبت، 18 يوليو 2015

الداية أم محمد...للكاتب الكبير...على الشافعى

الداية ام احمد بقلم
على حد علمي فجيلنا وجيل من سبقنا وبعض من لحقنا ؛ وُلدْنا على يدي الداية ( القابلة) , وفي اغلب الاحيان اسمها ام احمد , لا ادري سر هذا التوافق في اغلب القرى , والداية في العادة امرأة كبيرة في السن قوية البنية خبيرة بأوضاع النساء الحوامل , وتيْسير الولادة المتعسرة احيانا . ثم هي جاهزة للعمل في أي وقت , ليلا نهارا صيفا شتاءً, وهي كما عرفناها ؛ سمحة الوجه ليس على لسانها سوى (بسم الله تبارك الله , اللهم صلي على النبي ) . وهي الى ذلك امينة مؤتمنة , فهي تدخل بيوت القرية بيتا بيتا , وتطّلع على تفاصيلَ لا يكاد يعرفها جميع اهل البيت الواحد .
لا تشترط الداية اجرة محددة , فكل ما يأتيها من ذوي المولود خير وبركة , كل حسب حالته المادية , فمنهم من يعطيها نقودا ومنهم من يعطيها من مؤونة البيت ؛ كالزيت او الزيتون او القمح . تحمل في يدها حقيبة صغيرة فيها كل عدتها : مقص وشاش وقطن وخيط كرار , وهي عادة ما تعتني بالطفل بعد ولادته (ستة ايام ), تحضر كل يوم فتحممه وتدهن جسمه في الايام الثلاثة الاولى بالماء والملح , وتقول : هذا حتى يقوى جلده ويقاوم الامراض الجلدية والتقرحات . وفي الايام الثلاثة المتبقية تدهن جسمه بزيت الزيتون وتقول : هذا ليتغذى الجسم ويصبح نضرا , هكذا كانت تقول بصوت هادئ رقيق . لكنها كانت تصرّ على ان تمسح عينيه , وتقطرهما بالماء المملح اوعصير الليمون طيلة الايام الستة , وتقول : هذا حتى ( تقوى عينه في الحق , ويصير عنده حياء), تطبيقا للمثل الريفي السائد (فلان عينه مملحة) أي قوي في الحق ويستحي من فعل البطّال . وفلان عينة مش مملحة كناية عن الوقاحة وقلة الحياء والادب ـــ بعيد عنكم ــ . والعيب عادة ما تعارف عليه الناس في مجتمع ما , فما هو عيب في مجتمع ما قد لا يكون عيبا في مجتمع اخر , مثلا : عندنا تعارف الناس ان البنطال القصير او البيجاما او الفانيلا والخروج بها في الشارع هذا عيب , وبناء عليه ف(اللى عينه مش مملحة) : هو الذي يرتكب اخطاء هي في عرف المجتمع معيبة وتنتقص من الرجولة . 
اما الانسان الذي يغش ويرتشي ويكذب ويختلس فهذا شيء اخر لا علاقة له بملح العين , فهذا شيء الكبر لا تقدر الداية معالجته . فهذا الانسان يعمل الباطل ويتفاخر به , وعنده استعداد ان يجلس يجادلك بانه على صواب كالمدخن مثلا الذي يحاول اقناعك ان التدخين لا يضر بالصحة , او كالإعلامي الذي يجلس ساعات يطبل ويزمر في وسائل الاعلام ليقنعك ان خطة الحكومة صائبة , وستدر على البلد السمن والعسل , ويطبل للمسؤول الملهم الذي لم تنجب مثله الولاّدات , وهو الرجل المناسب للمكان المناسب , ويوزع المناصب المناسبة والمفصلة على قد اصحابها المناسبين المفصلين , ويقنعك بان المتنبي عندما قال البيت التالي:
فتى ما سرينا من ظهور جدودنا الى عصره الا نرجّي التّلاقيا 
انما يعنيه هو ولا احد سواه . او كالنائب الذي قبّل ايادي الناس لينتخبوه , ثم بعد ذلك انقلب وتنكر لمبادئه وقبل ايادي الحكومة وسار في فلكها , او كالمعارض الذي ينتقد الحكومة , وانها فاشلة و علىّ وشك تخريب البلد وتدمير الاقتصاد حتى اذا ما دخل الحكومة , واصبح في مكان المسؤولية تناسى شعاراته , وسار على نهج سابقيه ويبرر لهم موقفهم وقراراتهم الملهمة , او كالذين يفرقون بين موقفهم الرسمي الذي يمليه عليهم بروتكولهم المنصبي وموقفهم الشخصي , واذا احببتم البرهان فانظروا مواقف زعماء حاكمة العالم صاحبة العظمة ( امريكا) بعد انتهاء مدة حكمهم من قضية فلسطين , وقضايا العرب عامة , وكذلك الامناء العامون للأمم المتحدة راعية الظلم والفساد في هذا الزمان . والحديث ذو شجون, أرأيتم كيف بدانا , والى اين وصلنا , و يا خوفي من تاليها . طبتم وطابت اوقاتكم
 الكاتب علي الشافعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات