ثمّ انعطفي إلى اليمين...
و شيّعتْ نظرها إلى آخر الطّريق... ثمّ نظرت إلى الوجه الكالح الذي كان يمدّ ذراعه في اتّجاه آخر الطّريق محاولا التّفسير...كان مختلفا عن كلّ الذين فسّروا لها...كان يُحاول جاهدا... حتّى أنّه قال لها في الآخر :
- هيّا ..سيّدتي... اتبعيني حتّى لا تضلّي الطّريق... إنّها مملوءة بالقُطّاع الخطرين...
و أطْبقَتْ على الملفّ الجلديّ مُشبِّكةً ذراعيْها فوق صدرها... و سارت حذوه حتى آخر الطريق ...ثم انعطفا إلى اليمين...و ظهر مبنى عتيق...أشرق وجهها في تلك اللحظة بابتسامة مضيئة...و أشارت بسبّابتها نحوه و هتفت كطفلة مبتهجة :
- أظنّه هو ... هكذا وصفوه لي...
و ابتسم الوجه الكالح بطيبة و ردّ :
- نعم سيّدتي.. هو بعينه ... ففيه يحتجزون كلّ مجانين المدينة...
ثمّ استدرك سائلا بفضول خجل و متردد..
- هل لك فيه قريب ؟
و ردّت و عيناها عالقتان بالمبنى :
- بل فيه كل عائلتي...
ثم سارت نحوه بخطى خفيفة ... و ظلّ هو يتابعها
بنظرات مُشْفقة...عند الباب استوقفها الحرّاس... و مدّت اليهم الملفّ ... فتحه احدهم و ظل يقرأه... ثمّ رفع رأسه و نظر إليها مُتفحّصا و هتف :
- تفضّلي سيّدتي ... مكتب الاستقبال على اليمين...
ثم التفت الى رفقائه محاولا حبْس ضحكة فرّت منه... و هتف :
- أوّل مرّة أشهد مجنونا يأتينا بقدميه... و يسلّم ملفّه بنفسه...
و أجابته ... و هي تتجه نحو المدخل..
- ستعتاد عليهم... أشباهي...
عندما دخلت ... هرع إليها الجميع... شعورهم منْفوشة... و عيونهم زائغة.. و وجوهم شاحبة...و احتضنوها بحرارة... ثم نظروا في كل الاتجاهات و ساروا بهدوء نحو قاعة قديمة.. تساقط كلّ طلائها...و قبل أن يدخلوا سألوها :
- هل هناك آتون ؟
و أومأت برأسها ... و هتفت :
- نعم ... كلّ عقلاء المدينة...
دخلوا... و هتف أكثرهم شحوبا :
- الان ... علينا إحكام غلق الباب...
كانت هناك أبواب صدئة ... و سلالم مكسورة .. و حُقَن تخدير ضخمة .. و كتب غبيّة ...و أسرّة مرضى حديديّة... جمعوها كلّها و أثقلوا به الباب...ثمّ ساروا بهدوء نحو طاولة مركونة و جلسوا حولها...و نظر إليها أكثرهم شحوبا من جديد و هتف بها :
- نحن نعلم مقدار شقاء رحلتك إلينا... و لذلك ظللنا ننتظرك طويلا ...
فلا يمكن أن نكتب شيئا عن المدينة... في غياب عاقل فينا...
الكتابة عن الفوضى... في فوضى غيابك هي عيْن الفوْضى...ً

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق