أهم المنشورات

الأربعاء، 20 مايو 2015

عفيفة سعودى السميطى " نبرات الحياة"

نبرات الحياة
كلمات الكاتبة التونسية :عفيفة سعودى السميطى 
سأله بصوت فقد كلّ نبرات الحياة :

- أين نحن الآن ؟
- لا أدري ... فقد حطّم الإعصار كلّ البوصلات ..
- و الربّان ؟؟
- لعلّه يبحث عن طاقم أسنانه ...
و نظر بهلع إلى موجة بدت و هي آتية كجبل ضخم ... ثم شرعت تقترب كجدار موغل في الشهوق و في الاتّساع و في الضّراوة ... و صرخ جازعا:
- لقد هلكنا...
و قهقه قائد الاوركسترا و هتف بنشوة غريبة :
- ما أروع هذا الرّعب !... إنّه يأتي مرّة واحدة...
ثمّ واصل و كأنّه يُدنْدنُ بأعنية حبّ رائعة :
- بعده ... يأتي الموت مباشرة...لذيذا ... رائقا... متجلّيا...
و لطم جبل الماء السّفينة حتّى كاد يكفأها...و علا الصراخ من كل جانب ...و صاح منتشيا :
- يا للسّمفونيّة !.... و يا للبؤساء !... ما أضيع ما كانوا يفعلون..
ثمّ واصل و هو يتابع أعنف ما يمكن أن يُحدثه إعصار بِوجْه مُحيطٍ..
- كلّ ما فعلوه ... طيلة سيرهم على اليابسة ... لم يكن سوى فرارٍ غبيٍّ من عبورٍ مُحِتَّمٍ...
ثمّ غمغم و هو يتابع الأجساد الطّافية فوق الماء المجنون :
- لذلك هم الان لا يمْلكون سوى الطّفو...
و ارتفع في تلك اللحظة خلفه صوتٌ نسْوٍيٌّ مثير هزّ كلّ وجدانه السّاخر...كنغم قيثارة ... في ليلة رعد عاصفة أشاعت في جسده الرٌعدة و النّشوة و
الدّهشة ...
- لا تزال كما عهدْتك...منذ سيْرك على اليابسة لا تتهيّأُ سوى لمثل هذه العبور...
و التفت إليها وسط خفق أجنحة قلبه التي انفتحت ما إن سمعت صوتها...و أطلقت يداه الكبيرتان الدّفّة المغمورة بالماء...و هتف بصوت عادت اليه كل مفاصل النّوتات ...
- أنت على هذه الرّحلة يا آسرة الرّوح؟؟
و ابتسمت...و بدت في تلك الفوضى المُدمّرة... كملاك لا يفقه للجزع معنى...
- إنّي ما فارقتك أبدا..
ثمّ استطردت غير عابئة بالماء الذي بدأ يرتفع حتى بلغ خصرها الجميل...
- أعدْ على مسامعي ذاك اللّحن...
و تقدّم نحوها كالمسحور ... مُبْعدا بيديه قطع الاثاث العائمة ...و أمسك بيديها الدّافئتيْن ... و هتف و قلبه يضخّ كلّ الشّوق...
- حتى في أقصى حالات القرّ ... الحرارة لا تفارقك ...
و هوتْ في تلك اللّحظة سارية ضخمة شهدَتْ كلٌ انواع الحبال القديمة ...و شقّت الماء إلى نصْفيْن...و لم يَأْبَها للدويّ الكبير...و ضمّها برقّته الجامحة...و قرّب شفتيه إلى أذنها الورديّة... و شرع يُدنْدنُ بلحنها المحبوب...و ما كادت تسمعه حتّى ران على البحر سكون كبير ...و شعّ على الافق نور بهيج ..و ولّى الإعصار عاويا ...و همست في أذنه بتوق متوهّج ... و حول شفتيها حبال عنقه الصّادحة...
- إنّنا نعبر إلى الضّفّة الأخرى... كان ذلك كلّ أمنيتي يا آسر الروح...أن أشهد معك هذه اللّحظة...لحظة التّجلّي ... فما كان من الممكن ... و في ظلال الجزع ... أن أبلغها...بدونك...
و ردّ و الماء يبلغ عنقه...
- الفضل لك ...فلطالما درّبتِ هذا القلب على الجسارة...
و ضحكت ... و شعّ من حولها النّور و هتفت و هي تنظر في عينيه بيقين عاشق :
- القاتل الحقيقيّ ليس الموت... فالموت يُحبُّ أن يُحْتفى به ... لذلك يأتي مرّة واحدة...أمّا الخوف فهو الموت الدّائم...لذلك يظلّ التّجلّي نوعاً من النّبوءة لا تشهدها ابدا بصيرةٌ مرتعدة...
تونس -20مايو-2015م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات